إذا صح أن العلويين ــ بعمومهم ــ هم طائفة من الشيعة الاثنا عشرية فهذا لا يعني أن جميع أسلافهم كانوا من أصل شيعي! فالثابت في المصادر التاريخية أنَّ من أتباع شيخ "الطائفة العلوية النصيرية[1]" ــ الخصيبي[2] ــ مَن كان مسلماً سنياً، أو مَن كان من خارج الإسلام فأسلم وتشيع ثم أخذ طريقة الخصيبي الشيخ[3]!
ولعل هذا الأمر ساهم بشكل كبير في رسم صورة المذهب الخصيبي[4] ــ إذا جاز التعبير ــ، أو صورة الفرد النصيري "الخصيبيّ".
ونبدأ فصلنا هذا بتسليط الضوء على أنواع وطبقات الجيل الأول من الخصيبيين، ثم استعراض ثلة من أهم رجالات ذاك المذهب من الذين كان لهم أثر واضح في الدين والمجتمع، ومن ثم الخصيبي العادي أو الفرد العادي من أبناء تلك الطائفة.
الخصيبيون الأوائل:
ونقسمهم إلى ثلاثة زمر:
زمرة أولى أساسية أخذت على عاتقها القيام بالعبء الديني الصرف كأبي علي محمد ابن علي الجلي[5] تلميذ الشيخ الخصيبي.
وزمرة ثانية أقل أهمية من الأولى، وهي التي اشتهرت على الصعيد السياسي أو الفكري كالحاكم عضد الدولة البويهي واللغوي الشهير عثمان بن جني[6].
وزمرة ثالثة تمثل السواد الأعظم من الخصيبيين مثل العراقي: زريق الخواص، وكان من الصالحين، منقطعاً بمنزله بالجانب الغربي من بغداد[7].. وأمثاله من الخلف..
أعلام ممن تنسبهم الناس إلى "العلوية النصيرية":
* أبو سعيد ميمون بن عبد القاسم الطبراني:
نسبته إلى طبرية البلدة المشهورة في فلسطين على شاطئ البحيرة. كان عالماً متكلِّماً، فيلسوفاً، زاهداً في الدنيا، دأبه العلم والمعارف، وله جهاد كبير وفضل عظيم في أيامه.. له من التآليف أكثر من عشرين كتاباً، منها: البحث والدلالة عن مشكل الرسالة، ورسالة راحة الأرواح..[8]
* أبو الفتح البغدادي:
اسمه محمد بن الحسن بن مقاتل البغدادي، القاضي المعروف بالقطيعين وكنيته أبو الفتح، وهو من موضع ببغداد يقال له الكرخ، ويعرف بقطيعة الربيع. كان تلميذاً للمقرّي الذي كان تلميذاً للرفاعي الذي كان بدوره تلميذاً للخصيبي. له مصنفات شتى منها "الرسالة المصرية"، وقد سميت بهذا الاسم لأنه ألفها أثناء إقامته في مصر، رواها عنه تلميذه عصمة الدولة وأضاف إليها أشياء لاءمتها وسماها: "منهج العلم والبيان"[9].
* المنتجب العاني (330هـ - 400هـ):
هو أبو الفضل محمد بن الحسن، المنتجب العاني الخديجي المضري. أما لقبه المنتجب فقد كرر ذكره، ولعله كان أجمل ما يحبُّ أن يدعى به؛ والكلمة اسم مفعول من الفعل "انتجب" أي: اصطفاه واختاره. وأما نسبة العاني إلى البلدة التي ولد فيها وهي "عانة"، بلدة بين هيت والرقة يطوف بها خليج من الفرات، وهي قضاء في العراق ــ لواء الديلم، له ناحيتان الحديثة والقائم.
شاعر عباسي من متصوفي القرن الرابع الهجري، لفنه طوابع ذلك العصر، ولتفكيره مميزاته..[10]
* المكزون السنجاري:
ولد "الأمير" حسن بن يوسف الملقَّب بـ: "المكزون" عام 590هـ في سنجار ــ الشام، وكان والده أميراً فيها، وقد نشأ نشأة علويةً مع ميل إلى التصوف، وتثقف ثقافة عربية إسلامية، وتبحّر في الفلسفة، ونبغ في نظم الشعر في بداية القرن السابع، وقام بتأليف رسالة فلسفية عام 620هـ.
يحتل الشاعر الفيلسوف الأمير حسن المكزون مكانة كبيرة عند العلويين، وبعض الأُسر العلوية لا تزال تنسب له متصلةً بنسبه حتى اليوم ومنها أسرة الشيخ سليمان الأحمد والد الشاعر بدوي الجبل الذي شرح ديوان المكزون شرحاً وافياً قرّبه إلى الأفهام.
كان (المكزون) ورعاً، زاهداً، صوفياً من الفانين في الله..[11] توفي عام: 638هـ.[12]
* حاتم الجديلي:
كنيته إلى "المجدل" وهو تابع لدير شميل من مناطق حماة، وهي الآن بناء قديم وفيه آثار قديمة وآباره محفورة منقورة في الصخور، استوطنها الشيخ حاتم بحدود سنة 577هـ، وبها تكنَّى. وله كتاب "التجريد"، وفيه يرد على مذهب الحلولين الذين يرون أن الله موجود في الحجر والشجر والمدر والبشر وفي كل شيء، دون أن يعنوا قدرته[13].
* يوسف بن العجوز (الرداد الحلبي: 1202هـ - 1264هـ):
كان عالماً نحريراً، فيلسوفاً خبيراً، صاحب فلسفة وعلوم شتى، له مقامات في عدة أماكن أهمها مقامه في بيت حمد قرب الدريكيش.
لـخَّص رأيه بقوله (في رسالة له): إن المعنى القديم[14] العلي العظيم، أحد صمد، فرد جوهر قائم بذاته بالعلم والقدرة، والفِعل المعجز الذي لا يأتي أحد من المخلوقين بمثله.[15]
الفرد العلوي النصيري:[16]
يتميَّز "الطرح النصيري" لحقيقة الدين الإسلامي بالتركيز على الغايات الكبرى والقصوى لجميع ما شرع الله من عقائد وعبادات ومعاملات.. ويقوم (ذاك الطرح) على أساس المنطق العام والشامل، من منطلق العدل التام والحكمة التامة..
ولا يجد معظم "العلويين النصيريين" حرجاً من الأخذ بآراء الفلاسفة والحكماء أياً كانوا، معتمدين على حديثٍ شريف نصه: "الحِكمةُ ضالة المؤمن"[17]. فهم يؤتون الحكمة أنَّى كانت.
إذاً، هناك نظرة خاصة "للعلويين النصيريين" حول حقائق الدين الإسلامي وجواهره، من مختلف جوانبه النظرية والعملية، وبناءً على هذه النظرة يتصرَّف الفرد النصيري في حياته الدينية والدنيوية.
فما من أحد من أبناء الفرقة المسمَّاة "العلوية النصيرية" يستخفُّ بالصلاة أو له رأي يخالف الجمهور حول حرمة التهاون في أدائها، ولكن لربما قصَّر "العلوي النصيري" في أداء بعض الصلوات معتمداً على فكرته حول رضا الله وحقيقة تكليفه بالأمور الشرعية! فرأيه أن الله يعلم ما في القلوب؛ وأن مَن وهب نفسه لله، مطمئناً قلبه بالإيمان، لا يمكن أن يحاسبه الله بنفس الطريقة التي يحاسب بها سائر العباد! فضلاً عن وجود قناعة شبه مطلقة عند معظم "العلويين النصيريين" بأن شكل الصلاة وطقوس أدائها ليس هو معيار قبول الله لها ولا يُعبر ضرورةً عن جوهرها الحقيقي!
إذاً، سمة "العلوي النصيري" الأساسية هي الجوهرية في النظرة الدينية والحرية التفصيلية في أداء الواجبات الدينية، وإرجاع كل شيء إلى أصله أو ربطه بالغاية التي من أجلها أُشرع.
وننصف "العلويين النصيريين" ونصيب كبد الحقيقة إذا قلنا أن علويي الأمس كعلويي اليوم ــ تقريباً ــ منقسمون إلى زُمَرٍ وفئات! فمن "العلويين النصيريين" مَن يقلِّد فقيهه "الصوفي" أو "العرفاني" دون عِلم ولا دراية ولا اعتقاد صريح بحقيقة ما يقوم به، وهؤلاء ــ بكل إنصاف ــ هم جمهور تلك الفئة من العلوية المسماة "الضالة" أو "الغالية".[18]
إذاً، هناك فرقة من العلويين تقول بأمور دينية، أساسية وفرعية، تتفرد بها عن سائر مذاهب الدين الإسلامي، وتسمى تلك الفرقة عند جمهور العلماء من السنة والشيعة بـ: الغلاة. ولعل هذه الفرقة التي تمثل اليوم جزءاً غير أساسي من أصل تركيبة الطائفة العلوية كانت يوماً ما تشكل جزءاً مهماً من تعداد أبناء تلك الطائفة.
بقي أنْ نذكر أنه ليس للفرقة العلوية النصيرية مراجع دينية تخص ظاهر العبادات، وأسس المعاملات، وأصل الحلال والحرام، والفقه، وما شاكل ذلك، سوى مراجع الشيعة الاثنا عشرية التي تستمد منها سائر أمورها الشرعية العامة. ولذلك نلاحظ، وعلى مرّ الزمان، وجود متشيعين حقيقيين بين أبنائها، بمعنى: هناك من أبناء الطائفة ــ قديماً وحديثاً ــ مَن يكتفي بما تقدِّمه الشيعة من أركان للدين الإسلامي وأصول وفروع..
الحواشي:
[1]نستعمل عبارة "العلوية النصيرية" بالمعنى المعروف والمشهور لاسم "النصيرية"، أي: خاص بمَن له مذهب عرفاني أو طريقة صوفية.. (تأويلات ومقالات خاصة)
وقد ابتكرنا ذاك التمييز، بين العلوية (الصرفة) والعلوية النصيرية، لرفع الظلم عن "اسم العلوية" وعن "المنتسبين إلى العلوية".
[2] نتحدث عن شخصية الخصيبي حسب تقديم المؤرخين لها، من العامة والخاصة، لا حسب قناعتنا "الشخصية" بها! فرأينا الشخصي، وقناعتنا الشخصية، تتطابق تماماً مع رأي وقناعة العلامة المجتهد السيد محسن الأمين من براءة الخصيبي من كل ما نُسب إليه مما يخالف مذهب أهل البيت ــ ع ــ المعروف، كائناً مَن كان الناسب ذلك. (راجع مقال: ضوء على شخصية الشيخ الخصيبي)
[3]هناك من التلاميذ مَن كان إسرائيلياً كـ: هارون القطان الذي أسلم على يد محمد بن علي الجلي وحفظ القرآن على يد يونس البديعي. وذمياً مثل: إينال المتطبب من أهل الشام. [خير الصنيعة، الشيخ حسين حرفوش، مخطوط، ج1]
[4]ما قلناه عن استعمالنا كلمة "النصيرية" على المعنى الشائع لها لا على حقيقة ما نعتقده من معناها يصلح تماماً للقول به في استعمالنا لكلمة "الخصيبية"، أو عبارة المذهب الخصيبي..! فقد أُطلقت التسمية على الفرقة القائلة بمقالات صوفية عرفانية خاصة قد يختلف معها معظم المسلمين (راجع صفحة تعريف العلويين).
[5]أبو الحسن، ولد عام 330 هـ، عالم، فقيه، حج قبل أن يبلغ الحلم مرتين، وحج مرة ثالثة وهو في الثالثة والعشرين، مؤلف قدير، شاعر ولم يصل من شعره إلا القليل. اختاره الخصيبي ليكون خليفة له في رئاسة الدعوة. بث الدعاة وأشرف على شؤون العلويين. توفي عام 399هـ. [الإمام علي والعلويون، دراسة وتاريخ وتراجم، علي محمد الموسى، دار الفتاة، ط1، ص102] (انظر للاستزادة: منابع العرفان عند الشيعة الخصيبية ـ ملامح ورجال، حسن يونس حسن، مطبعة آل الرسول ـ بيروت، ط1، ص233 وما بعدها)
[6]الإمام علي والعلويون، ص108+110. مع تحفظي على صحة النسبة إلى "المذهب الخصيبي"! فقد يكون المذكوران علويين من حيث الانتماء للنهج العلوي القويم المتمثل بسيرة الخليفة علي بن أبي طالب ـ رضوان الله تعالى عليه ـ الحريص على السنة النبوية الشريفة والهوية الإسلامية الصرفة. ومن الممكن أن يكون عضد الدولة وابن جني قد سمعا من الشيخ الخصيبي، أو استحسنا سيرة الخصيبي العامة من صدق وأمانة واستقامة في الدين والدنيا بما لا يخالف الجمهور، أما مسألة اقتفائهما للطريقة النصيرية الخاصة بمعناها المعروف اليوم فمسألة فيها نظر!
[7]خير الصنيعة، الشيخ حسين حرفوش ـ المقرمدة. ج1. مخطوط خاص.
[8]أعلام من المذهب الجعفري العلوي، ديب علي حسن، دار الساحل للتراث، ط2، ج1، ص20-21.
[9]أعلام من المذهب الجعفري العلوي، ديب علي حسن، ج1، ص19.
[10]أعلام من المذهب الجعفري العلوي، ج1، ص86-87.
[11]الإمام علي والعلويون، ص145-146.
[12]أعلام من المذهب الجعفري العلوي، ج1، 86.
[13]أعلام من المذهب الجعفري العلوي، ج1، ص40-41.
[14]تجدر الإشارة إلى أن ليس كل العلويين مَن يقول بمعاني ومداليل تلك الكلمات والمصطلحات وإنما الفرقة الصوفية منهم. وسنتحدث عن ذلك في محله ـ إنْ شاء الله ـ.
[15]أعلام من المذهب الجعفري العلوي، ج2، ص13-14.
[16] [تنبيه]: أود الإشارة إلى أنني لا أزيِّن واقعاً ما ببحثي هذا، ولا بأيّ بحث أقوم به، كما أنني لا أقبِّح ذاك الواقع فيما أورد وأقول، وكذلك لا أنقل صورة الواقع بشيء من السطحية والبساطة، وإنما بمسؤولية وعِلم ودراية على أساس الشمولية والإحاطة والتحقق..
[17] الحديث بأكمله هو: "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها". سنن الترمذي، ح2757. [ج7، ص458] وسنن ابن ماجة، ح4259. [ج2، ص1395] {قال أبو عيسى (الترمذي): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المدني المخزومي (أحد رواة الحديث) ضعيف في الحديث من قبل حفظه}
[18]يُلاحظ اشتهار تسمية العلويين بالغلاة، أو بالفرقة "الضالة"، والحقيقة أن أصحاب الفكر العرفاني أو الطريقة الصوفية هم شريحة من شرائح العلوية المتعددة!
ولعل هذا الأمر ساهم بشكل كبير في رسم صورة المذهب الخصيبي[4] ــ إذا جاز التعبير ــ، أو صورة الفرد النصيري "الخصيبيّ".
ونبدأ فصلنا هذا بتسليط الضوء على أنواع وطبقات الجيل الأول من الخصيبيين، ثم استعراض ثلة من أهم رجالات ذاك المذهب من الذين كان لهم أثر واضح في الدين والمجتمع، ومن ثم الخصيبي العادي أو الفرد العادي من أبناء تلك الطائفة.
الخصيبيون الأوائل:
ونقسمهم إلى ثلاثة زمر:
زمرة أولى أساسية أخذت على عاتقها القيام بالعبء الديني الصرف كأبي علي محمد ابن علي الجلي[5] تلميذ الشيخ الخصيبي.
وزمرة ثانية أقل أهمية من الأولى، وهي التي اشتهرت على الصعيد السياسي أو الفكري كالحاكم عضد الدولة البويهي واللغوي الشهير عثمان بن جني[6].
وزمرة ثالثة تمثل السواد الأعظم من الخصيبيين مثل العراقي: زريق الخواص، وكان من الصالحين، منقطعاً بمنزله بالجانب الغربي من بغداد[7].. وأمثاله من الخلف..
أعلام ممن تنسبهم الناس إلى "العلوية النصيرية":
* أبو سعيد ميمون بن عبد القاسم الطبراني:
نسبته إلى طبرية البلدة المشهورة في فلسطين على شاطئ البحيرة. كان عالماً متكلِّماً، فيلسوفاً، زاهداً في الدنيا، دأبه العلم والمعارف، وله جهاد كبير وفضل عظيم في أيامه.. له من التآليف أكثر من عشرين كتاباً، منها: البحث والدلالة عن مشكل الرسالة، ورسالة راحة الأرواح..[8]
* أبو الفتح البغدادي:
اسمه محمد بن الحسن بن مقاتل البغدادي، القاضي المعروف بالقطيعين وكنيته أبو الفتح، وهو من موضع ببغداد يقال له الكرخ، ويعرف بقطيعة الربيع. كان تلميذاً للمقرّي الذي كان تلميذاً للرفاعي الذي كان بدوره تلميذاً للخصيبي. له مصنفات شتى منها "الرسالة المصرية"، وقد سميت بهذا الاسم لأنه ألفها أثناء إقامته في مصر، رواها عنه تلميذه عصمة الدولة وأضاف إليها أشياء لاءمتها وسماها: "منهج العلم والبيان"[9].
* المنتجب العاني (330هـ - 400هـ):
هو أبو الفضل محمد بن الحسن، المنتجب العاني الخديجي المضري. أما لقبه المنتجب فقد كرر ذكره، ولعله كان أجمل ما يحبُّ أن يدعى به؛ والكلمة اسم مفعول من الفعل "انتجب" أي: اصطفاه واختاره. وأما نسبة العاني إلى البلدة التي ولد فيها وهي "عانة"، بلدة بين هيت والرقة يطوف بها خليج من الفرات، وهي قضاء في العراق ــ لواء الديلم، له ناحيتان الحديثة والقائم.
شاعر عباسي من متصوفي القرن الرابع الهجري، لفنه طوابع ذلك العصر، ولتفكيره مميزاته..[10]
* المكزون السنجاري:
ولد "الأمير" حسن بن يوسف الملقَّب بـ: "المكزون" عام 590هـ في سنجار ــ الشام، وكان والده أميراً فيها، وقد نشأ نشأة علويةً مع ميل إلى التصوف، وتثقف ثقافة عربية إسلامية، وتبحّر في الفلسفة، ونبغ في نظم الشعر في بداية القرن السابع، وقام بتأليف رسالة فلسفية عام 620هـ.
يحتل الشاعر الفيلسوف الأمير حسن المكزون مكانة كبيرة عند العلويين، وبعض الأُسر العلوية لا تزال تنسب له متصلةً بنسبه حتى اليوم ومنها أسرة الشيخ سليمان الأحمد والد الشاعر بدوي الجبل الذي شرح ديوان المكزون شرحاً وافياً قرّبه إلى الأفهام.
كان (المكزون) ورعاً، زاهداً، صوفياً من الفانين في الله..[11] توفي عام: 638هـ.[12]
* حاتم الجديلي:
كنيته إلى "المجدل" وهو تابع لدير شميل من مناطق حماة، وهي الآن بناء قديم وفيه آثار قديمة وآباره محفورة منقورة في الصخور، استوطنها الشيخ حاتم بحدود سنة 577هـ، وبها تكنَّى. وله كتاب "التجريد"، وفيه يرد على مذهب الحلولين الذين يرون أن الله موجود في الحجر والشجر والمدر والبشر وفي كل شيء، دون أن يعنوا قدرته[13].
* يوسف بن العجوز (الرداد الحلبي: 1202هـ - 1264هـ):
كان عالماً نحريراً، فيلسوفاً خبيراً، صاحب فلسفة وعلوم شتى، له مقامات في عدة أماكن أهمها مقامه في بيت حمد قرب الدريكيش.
لـخَّص رأيه بقوله (في رسالة له): إن المعنى القديم[14] العلي العظيم، أحد صمد، فرد جوهر قائم بذاته بالعلم والقدرة، والفِعل المعجز الذي لا يأتي أحد من المخلوقين بمثله.[15]
الفرد العلوي النصيري:[16]
يتميَّز "الطرح النصيري" لحقيقة الدين الإسلامي بالتركيز على الغايات الكبرى والقصوى لجميع ما شرع الله من عقائد وعبادات ومعاملات.. ويقوم (ذاك الطرح) على أساس المنطق العام والشامل، من منطلق العدل التام والحكمة التامة..
ولا يجد معظم "العلويين النصيريين" حرجاً من الأخذ بآراء الفلاسفة والحكماء أياً كانوا، معتمدين على حديثٍ شريف نصه: "الحِكمةُ ضالة المؤمن"[17]. فهم يؤتون الحكمة أنَّى كانت.
إذاً، هناك نظرة خاصة "للعلويين النصيريين" حول حقائق الدين الإسلامي وجواهره، من مختلف جوانبه النظرية والعملية، وبناءً على هذه النظرة يتصرَّف الفرد النصيري في حياته الدينية والدنيوية.
فما من أحد من أبناء الفرقة المسمَّاة "العلوية النصيرية" يستخفُّ بالصلاة أو له رأي يخالف الجمهور حول حرمة التهاون في أدائها، ولكن لربما قصَّر "العلوي النصيري" في أداء بعض الصلوات معتمداً على فكرته حول رضا الله وحقيقة تكليفه بالأمور الشرعية! فرأيه أن الله يعلم ما في القلوب؛ وأن مَن وهب نفسه لله، مطمئناً قلبه بالإيمان، لا يمكن أن يحاسبه الله بنفس الطريقة التي يحاسب بها سائر العباد! فضلاً عن وجود قناعة شبه مطلقة عند معظم "العلويين النصيريين" بأن شكل الصلاة وطقوس أدائها ليس هو معيار قبول الله لها ولا يُعبر ضرورةً عن جوهرها الحقيقي!
إذاً، سمة "العلوي النصيري" الأساسية هي الجوهرية في النظرة الدينية والحرية التفصيلية في أداء الواجبات الدينية، وإرجاع كل شيء إلى أصله أو ربطه بالغاية التي من أجلها أُشرع.
وننصف "العلويين النصيريين" ونصيب كبد الحقيقة إذا قلنا أن علويي الأمس كعلويي اليوم ــ تقريباً ــ منقسمون إلى زُمَرٍ وفئات! فمن "العلويين النصيريين" مَن يقلِّد فقيهه "الصوفي" أو "العرفاني" دون عِلم ولا دراية ولا اعتقاد صريح بحقيقة ما يقوم به، وهؤلاء ــ بكل إنصاف ــ هم جمهور تلك الفئة من العلوية المسماة "الضالة" أو "الغالية".[18]
إذاً، هناك فرقة من العلويين تقول بأمور دينية، أساسية وفرعية، تتفرد بها عن سائر مذاهب الدين الإسلامي، وتسمى تلك الفرقة عند جمهور العلماء من السنة والشيعة بـ: الغلاة. ولعل هذه الفرقة التي تمثل اليوم جزءاً غير أساسي من أصل تركيبة الطائفة العلوية كانت يوماً ما تشكل جزءاً مهماً من تعداد أبناء تلك الطائفة.
بقي أنْ نذكر أنه ليس للفرقة العلوية النصيرية مراجع دينية تخص ظاهر العبادات، وأسس المعاملات، وأصل الحلال والحرام، والفقه، وما شاكل ذلك، سوى مراجع الشيعة الاثنا عشرية التي تستمد منها سائر أمورها الشرعية العامة. ولذلك نلاحظ، وعلى مرّ الزمان، وجود متشيعين حقيقيين بين أبنائها، بمعنى: هناك من أبناء الطائفة ــ قديماً وحديثاً ــ مَن يكتفي بما تقدِّمه الشيعة من أركان للدين الإسلامي وأصول وفروع..
الحواشي:
[1]نستعمل عبارة "العلوية النصيرية" بالمعنى المعروف والمشهور لاسم "النصيرية"، أي: خاص بمَن له مذهب عرفاني أو طريقة صوفية.. (تأويلات ومقالات خاصة)
وقد ابتكرنا ذاك التمييز، بين العلوية (الصرفة) والعلوية النصيرية، لرفع الظلم عن "اسم العلوية" وعن "المنتسبين إلى العلوية".
[2] نتحدث عن شخصية الخصيبي حسب تقديم المؤرخين لها، من العامة والخاصة، لا حسب قناعتنا "الشخصية" بها! فرأينا الشخصي، وقناعتنا الشخصية، تتطابق تماماً مع رأي وقناعة العلامة المجتهد السيد محسن الأمين من براءة الخصيبي من كل ما نُسب إليه مما يخالف مذهب أهل البيت ــ ع ــ المعروف، كائناً مَن كان الناسب ذلك. (راجع مقال: ضوء على شخصية الشيخ الخصيبي)
[3]هناك من التلاميذ مَن كان إسرائيلياً كـ: هارون القطان الذي أسلم على يد محمد بن علي الجلي وحفظ القرآن على يد يونس البديعي. وذمياً مثل: إينال المتطبب من أهل الشام. [خير الصنيعة، الشيخ حسين حرفوش، مخطوط، ج1]
[4]ما قلناه عن استعمالنا كلمة "النصيرية" على المعنى الشائع لها لا على حقيقة ما نعتقده من معناها يصلح تماماً للقول به في استعمالنا لكلمة "الخصيبية"، أو عبارة المذهب الخصيبي..! فقد أُطلقت التسمية على الفرقة القائلة بمقالات صوفية عرفانية خاصة قد يختلف معها معظم المسلمين (راجع صفحة تعريف العلويين).
[5]أبو الحسن، ولد عام 330 هـ، عالم، فقيه، حج قبل أن يبلغ الحلم مرتين، وحج مرة ثالثة وهو في الثالثة والعشرين، مؤلف قدير، شاعر ولم يصل من شعره إلا القليل. اختاره الخصيبي ليكون خليفة له في رئاسة الدعوة. بث الدعاة وأشرف على شؤون العلويين. توفي عام 399هـ. [الإمام علي والعلويون، دراسة وتاريخ وتراجم، علي محمد الموسى، دار الفتاة، ط1، ص102] (انظر للاستزادة: منابع العرفان عند الشيعة الخصيبية ـ ملامح ورجال، حسن يونس حسن، مطبعة آل الرسول ـ بيروت، ط1، ص233 وما بعدها)
[6]الإمام علي والعلويون، ص108+110. مع تحفظي على صحة النسبة إلى "المذهب الخصيبي"! فقد يكون المذكوران علويين من حيث الانتماء للنهج العلوي القويم المتمثل بسيرة الخليفة علي بن أبي طالب ـ رضوان الله تعالى عليه ـ الحريص على السنة النبوية الشريفة والهوية الإسلامية الصرفة. ومن الممكن أن يكون عضد الدولة وابن جني قد سمعا من الشيخ الخصيبي، أو استحسنا سيرة الخصيبي العامة من صدق وأمانة واستقامة في الدين والدنيا بما لا يخالف الجمهور، أما مسألة اقتفائهما للطريقة النصيرية الخاصة بمعناها المعروف اليوم فمسألة فيها نظر!
[7]خير الصنيعة، الشيخ حسين حرفوش ـ المقرمدة. ج1. مخطوط خاص.
[8]أعلام من المذهب الجعفري العلوي، ديب علي حسن، دار الساحل للتراث، ط2، ج1، ص20-21.
[9]أعلام من المذهب الجعفري العلوي، ديب علي حسن، ج1، ص19.
[10]أعلام من المذهب الجعفري العلوي، ج1، ص86-87.
[11]الإمام علي والعلويون، ص145-146.
[12]أعلام من المذهب الجعفري العلوي، ج1، 86.
[13]أعلام من المذهب الجعفري العلوي، ج1، ص40-41.
[14]تجدر الإشارة إلى أن ليس كل العلويين مَن يقول بمعاني ومداليل تلك الكلمات والمصطلحات وإنما الفرقة الصوفية منهم. وسنتحدث عن ذلك في محله ـ إنْ شاء الله ـ.
[15]أعلام من المذهب الجعفري العلوي، ج2، ص13-14.
[16] [تنبيه]: أود الإشارة إلى أنني لا أزيِّن واقعاً ما ببحثي هذا، ولا بأيّ بحث أقوم به، كما أنني لا أقبِّح ذاك الواقع فيما أورد وأقول، وكذلك لا أنقل صورة الواقع بشيء من السطحية والبساطة، وإنما بمسؤولية وعِلم ودراية على أساس الشمولية والإحاطة والتحقق..
[17] الحديث بأكمله هو: "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها". سنن الترمذي، ح2757. [ج7، ص458] وسنن ابن ماجة، ح4259. [ج2، ص1395] {قال أبو عيسى (الترمذي): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المدني المخزومي (أحد رواة الحديث) ضعيف في الحديث من قبل حفظه}
[18]يُلاحظ اشتهار تسمية العلويين بالغلاة، أو بالفرقة "الضالة"، والحقيقة أن أصحاب الفكر العرفاني أو الطريقة الصوفية هم شريحة من شرائح العلوية المتعددة!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق